السيد هاشم البحراني

18

غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام

أمير المؤمنين قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول : " يا دنيا ، يا دنيا إليك عني ، أبي تعرضت أم إلى تشوقت ، لا حان حينك ، هيهات ، هيهات غري غيري ، لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعيشك قصير وخطرك يسير وأملك حقير ، آه من قلة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظم المورد " . قال ابن أبي الحديد في الشرح وهو من أكابر علماء المعتزلة : السليم الملسوع ، وقوله : لا حان حينك : دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول : لا كنت فأما ضرار بن ضمرة فإن الرياشي روى خبره ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل في التنزيل على نهج البلاغة قال : دخل ضرار على معاوية ، وكان ضرار من أصحاب علي ( عليه السلام ) فقال له معاوية : يا ضرار صف لي عليا ، قال أو تعفيني ؟ قال : لا أعفيك ، قال ما أصف منه ؟ كان والله شديد القوى بعيد المدى ، يتفجر العلم من أنحائه والحكمة من أرجائه ، حسن المعاشرة ، سهل المباشرة ، خشن المأكل ، قصير الملبس ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويخاطب نفسه ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألنا ويبتدئنا إذا سكتنا ، ونحن مع تقريبه إلينا أشد ما يكون صاحب لصاحبه هيبة ، لا نبتدئه بالكلام لعظمته ، يحب المساكين ويقرب أهل الدين ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه . . . وتمام الكلام مذكور في الكتاب ( 1 ) . السابع : ابن أبي الحديد : وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب هذا الخبر وقال : حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا يحيى بن مالك بن عايد قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر ، وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال : حدثنا العكلي عن الحرمازي عن رجل من همدان قال : قال معاوية لضرار الضبابي ، يا ضرار صف لي عليا ، وقال : أعفني يا أمير المؤمنين ، قال لتصفنه . قال : أما إذا لا بد من وصفه فقال : كان والله بعيد المدى شديد القوى ، يقول فضلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته ، غزير العبرة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استفتيناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 18 / 224 .